..

الاثنين، 3 يناير، 2011

بيرم التونسي: الحب في أغانينا تزوير عاطفي


بمناسبة أو بدون مناسبة يستحق الشاعر والظاهرة النادرة عم «بيرم التونسي» الكتابة عنه والحفاوة به والامتنان والتقدير لمكانته وقيمته في عالم الكلمة المكتوبة والمغناة!

منذ نصف قرن بالضبط - في 5 يناير 1961 رحل عن عالمنا «بيرم التونسي» الأب الروحي لشعر العامية في مصر.

في زمن بيرم التونسي كان الكل يتسابق علي تلحين كلماته الرائعة سيد درويش، محمد عبدالوهاب، زكريا أحمد، فريد الأطرش، بل إن سيدة الغناء العربي «أم كلثوم» وحدها غنت له أكثر من ثلاثين أغنية منها: الآهات، وأهل الهوي، والأولة في الغرام، وكل الأحبة اثنين وهو صحيح الهوي غلاب.

كما غني له نجوم الغناء: فريد الأطرش «أحبابنا يا عين» وغنت اسمهان «أنا اللي أستاهل كل اللي يجرالي» وغني له الشيخ زكريا أحمد رائعته «يا أهل المغني دماغنا وجعنا»!

وهو أيضا صاحب الدرة الغنائية: شمس الأصيل دهبت خوص النخيل يا نيل/ تحفة ومتصورة في صفحتك يا جميل/ والناي علي الشط غني والقدود بتميل/ علي هبوب الهوا لما يمر عليل يا نيل.

وفي العصر الذهبي للراديو والإذاعة كانت أعمال بيرم التونسي وعلي رأسها فوازير رمضان مثار اهتمام ودهشة ملايين المستمعين التي كان يكتبها للإذاعة أواخر الخمسينيات من القرن الماضي ومنها هذه الفزورة: فيه عندنا وزير ولكن حنبلي

لا تقولي لاظوغلي ولا محمد علي

زي القطط ياكل كتير ويبص لي

حتي السيجارة النص له والنص لي!!

بطبيعة الحال كان حل الفزورة هو «وزير المالية» في تلك الأيام.

كان بيرم التونسي مقلا بل ونادراً في حواراته الصحفية وربما كان من أهم وأصدق الحوارات التي أجريت معه قبل شهور قليلة من وفاته هو ذلك الذي أجراه معه الصحفي الكبير الأستاذ «عبدالتواب عبدالحي» ونشره ضمن كتابه البديع عصير حياتي صدر عام 66 .

في هذا الحوار الوثيقة تحدث بيرم التونسي حزيناً وبائساً وغاضباً من الحياة والفن والناس والزمن وهذه خلاصة ما قاله:

يقول عم بيرم: الأغنية مدرسة تستطيع أن تحملها قيماً سليمة أو تدس فيها سموماً خبيثة إنها أخطر أداة للنشر في هذا العصر والمحزن أن لا أحد يقدر خطر الأغنية لا المؤلف ولا الملحن ولا المطرب وأسوأ ما في الأغنية المصرية هو العاشق المحب إنه دائما مطرود يقف علي الباب يلطم الخدين ويمسح دمع العينين وهو تكلف ممقوت وتزوير عاطفي أن الحب ليس هكذا!!

ويقول عم «بيرم»: كل يوم يمر علي تزيد رغبتي في الابتعاد عن الناس لقد أغلقت فمي بقفل ورميت مفتاحه في البحر لن أقول لك بعمل إيه شهر شهرين بقية العمر لا يهم فالبعد عن الناس غنيمة لقد عشت عمري خمس مرات في المنفي وبعد سن الـ65 استقرت بي الأحوال أنا شيخ بلا مطامع أنا الآن عاطل انتظر أن تدعوني الإذاعة من حين لآخر لأكتب لها أغنية في مناسبة مقابل عشرة جنيهات!

وأشق أنواع الأغاني التي أكتبها هي أغاني المناسبات مثل تهاني الحجاج وابتهالات رمضان وزفة العروسة والاحتفال بشم النسيم فمعانيها مستهلكة ومجال التجديد فيها محدود!

ويقول عمر «بيرم»: أنا لا أتحدث إلي صحفيين بيفبركوا علي الأخبار أبقي قاعد في أمان الله أشرب فنجان قهوة سادة علي قهوة العمال جنب البيت ألاقي نفسي أتخانقت مع «أحمد رامي» وعملت عشرة عقود لكتابة أغاني أفلام وقبضت خمسمائة جنيه من مكتب باريس قيمة أجر الأداء العلني لأغاني القديمة».

وعندما سأله الأستاذ «عبدالتواب عبدالحي» من أيام الشقاء ماذا جنيت غير الشقاء؟! يقول عمر بيرم: لم أجن غير شيئين صيت بالغني وشهرة الغني تعجبني فالناس يحترمون الرجل الغني بلا مناسبة! ورغبة دائما في الابتعاد عن الناس وأنا أعمل بقول الشاعر الريفي.

بعدك عن الناس أحسن لك وأبقي لك!

يتلم عرضك ويتوفر عليك مالك!!

منذ حوالي 25 سنة أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1984 الأعمال الكاملة لبيرم التونسي وقد نفدت منذ زمن طويل ومن المفيد والمهم أن يعاد طبعها من جديد أو يعاد الطبعة الشعبية منها التي صدرت عام 2002 في مكتبة الأسرة ومهرجان القراءة للجميع وقد نفدت في غضون أيام.

في واحدة من أروع قصائده عن الصحافة وعنوانها أهي جرايد يقول سبع جرائد أقوم الصبح أقراها طمست بصيرتي وضاع العقل وياها!

الأولة حشوها تشليق وسفاهة

والثانية توضيب ورتوغراف ووجاهة

وجنب دي الزخرفة أخبار سمعناها..

والتالتة طالعة لنا تلعن سنسفيل طه

والرابعة تنشر مقالاته وتتباهي

والخامسة بتقول علي أرتيست محلاها

والسادسة بتحط فيها 600 هاهة

والسابعة أهي إعلانات الحجز ملياها

أهي جرائد من الوقت اشتريناها

ولما زاد الورق بالوقة بعناها!!

وليس بعد شعر بيرم أي كلام يقال لا نثر ولا شعر!!

0 التعليقات: